نازحون يمنيون.. من «رمضاء» الحديدة إلى «نار» صنعاء
نازحون يمنيون.. من «رمضاء» الحديدة إلى «نار» صنعاء

يقف «سالم تراب» عند مدخل أحد الفصول في مدرسة «أبي بكر الصديق»، بحي «عصر»، غربي العاصمة صنعاء، وبجسد هزيل يتعلّق به طفله البالغ من العمر 4 أعوام، كان الطفل يلبس معطفًا شتويًا في فصل الصيف.

 

بدا سالم، وكأنه يعض «أصابع الندم»، حين قرر النزوح من منزله في حي «الربصة» جنوبي مدينة «الحديدة»، غربي البلاد، ومنذ أسبوعين يعيش أوضاعًا صعبة في صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة «أنصار الله» (الحوثي).

 

ومنذ 13 يونيو/حزيران الجاري، تنفذ القوات الحكومية بإسناد من التحالف العربي الذي تقوده السعودية، عملية عسكرية لتحرير «الحديدة»، ومينائها الاستراتيجي على البحر الأحمر من مسلحي الحوثي، وسيطرت خلالها على المطار.

 

لكن وتيرة المعارك بين الطرفين هدأت أَثْناء الأسبوعين الماضيين، في ظل الحراك الدبلوماسي للأمم المتحدة عبر مبعوثها إلى صنعاء، مارتن غريفيث، من أجل التوصل إلى حل يجنّب المدينة حَمْلَة القوات الحكومية والتحالف العربي.

 

«خدعونا.. فنزحنا»

وبأسى بالغ، حَكَى فِي غُضُونٌ قليل سالم للأناضول، إنه لو كان يعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا الوضع، لكان قرر البقاء في منزله مع أطفاله الخمسة، وزوجته السادسة، وإنه لن يبقى في صنعاء إذا سنحت له فرصة العودة إلى منزله.

 

وأضاف: «كانت الأخبار تتحدث عن معارك شوارع وحَمْلَة على الحديدة، أفزعونا وأجبرونا على مغادرة منازلنا دون مأوى، لكن حتى اليوم لم يحدث ما كنا نخشاه، لا إنهم (القوات الحكومية والتحالف العربي) اقتحموا المدينة، ولا جنبونا المعارك والنزوح».

 

وتحدث سالم عن معاناة طفلته الصغيرة سلوى التي تبلغ سَنَة وبضعة أشهر، وتعاني من مرض «سوء التغذية»، قائلًا: «ما لقينا لها حليب من منظمات الإغاثة، وأنا ما أقدر اشتري لها، نحن مساكين وفقراء».

 

وأشار إلى أن العشرات من النازحين أُصيبوا بالزكام، بسبب درجة الحرارة المنخفضة في العاصمة صنعاء، خصوصًا مع هطول الأمطار، إلا أن شبان ينشطون في مبادرة خيرية، قدموا لهم ملابس شتوية مستخدمة تقيهم البرد.

 

واعتاد سكان مدينة «الحديدة» على العيش في ظل مناخ حار، تحضر درجة الحرارة فيها إلى نحو 40 درجة مئوية.

 

دون مأوى

تقول إحصائيات محلية، إن 7 آلاف و700 أسرة نزحت من «الحديدة» إلى صنعاء، أي ما يقارب 40 ألف نازح من ضمن 121 ألف نازح، أجبروا على النزوح جراء المعارك الدائرة في «الحديدة» والساحل الغربي، حسب بيانات للأمم المتحدة.

 

وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في صنعاء، إن النزوح من محافظة «الحديدة» لا يزال مستمرًا، والشركاء المحليون تحققوا من نزوح أكثر 17 ألف و350 أسرة، (أي أكثر من 121 ألف شخص) فِي غُضُون الأول من يونيو/حزيران الماضي.

 

وفي ظل النزوح، قلت الوحدات السكنية المعروضة للإيجار في صنعاء، وارتفع إيجار المتوفر منها بِصُورَةِ مضاعف، حيث وصل الإيجار الشهري للشقة المتوسطة إلى 60 ريالًا يمنيًا (الدولار الواحد = 490 ريال يمني).

 

ويتهم النازحون ملاك العقارات بـ«استغلال» أزمتهم الإنسانية، ودفعهم في نهاية المطاف إلى السكن في الحوانيت الصغيرة.

 

وأحد هؤلاء، كَبَحَ علي محمد الذي يسكن مع زوجته وطفليه في حانوت صغير بحي الحصبة وسط صنعاء، فيما لجأ شقيقه إلى بدروم (مأوى تحت الأرض للسُّكنى أو التَّخزين) أرضي في أطراف المدينة الشرقية، ضمن 4 أسر نازحة.

 

لكن أسرة الشقيقين، تسكنان في أماكن دون حمامات أو صرف صحي، ويضطرون للجوء إلى المساجد.

 

وكان نشطاء دعوا في مواقع التواصل الاجتماعي إلى تدشين المساجد أمام النازحين، وتوفير مأوى وسكن لهم؛ «بدلًا أن تُكرّس للدعاوي الطائفية والاقتتال في بلد منهك بالحرب فِي غُضُون أربعة أعوام».

 

لم يقدموا لنا شيئًا

لكن النازحون يُجمعون على أن المنظمات الدولية، والتابعة للأمم المتحدة بالإضافة إلى سلطات جماعة «الحوثي» تخلت عنهم، ولم تقدم لهم المساعدات الإغاثية والإيوائية في المدرسة التي تقف على رابية غربي المدينة.

 

بالقرب من عمود العلم المهترئ في ساحة المدرسة، تطرق ابتسام برأسها على كيس يلملم ملابسها، وكانت رئاسة النازحين في المدرسة قد وعدتها بأنها ستسمح لها بتقاسم أحد الفصول الدراسية مع أسرة نازحة.

 

وبكلمات غاضبة حَكَت فِي غُضُونٌ قليل للأناضول، إنها لم تلاقِ ما وعدوه بها حين أوصلتها منظمة محلية تنشط في الإغاثة، في المدرسة، مضيفة: «جابوا (أحضروا) لنا فُرش مقطعة، وطرابيل (أغطية لنصب الخيام‎) ممزقة وأكل لا يستساغ».

 

لكن تقرير الأمم المتحدة، حَكَى فِي غُضُونٌ قليل إنه «تم تقديم المساعدة لأكثر من عشرة آلاف أسرة نازحة (ما يعادل 80 ألف شخص) بالغذاء، ومستلزمات الطوارئ، وغيرها من صُورَ الدعم المنقذة للحياة».

 

نتمنى العودة

يُحاول النازحون العودة إلى منازلهم في مدينة «الحديدة»، إثر معاناتهم الكبيرة، لكن افتقارهم لقيمة المواصلات التي ارتفعت أسعارها أيضًا إلى الضعف، حال دون ذلك.

 

بكلمات تعبر عن حسرته، مضى سالم تراب قائلًا: «نحن منتهكون في بلادنا، أتمنى أن أعود لمنزلي، وليحدث ما يحدث، لن يكون أقسى مما لاقيناه، وإذا ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ الموت فالموت في منازلنا أعز».

 

ويتفق مع جاره في السكن بالفصل الدراسي الآخر عبده قاسم، بأن العودة إلى منزله في الحديدة يبقى أمله الوحيد في ظل الأوضاع الراهنة.

 

وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل قاسم للأناضول: «لا نريد شيئًا، نريدهم أن يساعدونا في العودة إلى منازلنا في الحديدة».

 

لكن آخرين من النازحين يخشون انقطاع المياه في المدينة حال عودتهم.

 

بدورها، حَكَت فِي غُضُونٌ قليل ابتسام محمد، وهي إحدى النازحات: «نتمنى العودة، لكن المشكلة في الماء، من أين نعيش بلا ماء في ظل ارتفاع درجة الحرارة، والخوف من عودة تفشي الأوبئة والأمراض».

 

وانقطعت المياه عن أَغْلِبُ الأحياء السكنية في مدينة الحديدة، بعد أن تدمرت شبكات النقل إثر الحفريات والخنادق التي صنعها المسلحون الحوثيون في الشوارع الرئيسية، لإعاقة تقدم القوات الحكومية والتحالف، في حال اقتحام الأخيرة للمدينة.

 

ومنذ 26 مارس/آذار 20الخامسة عشر، تقود السعودية تحالفاً عسكرياً تشارك فيه الإمارات، يدعم القوات الحكومية اليمنية في مواجهة الحوثيين، الذين يسيطرون على عدة محافظات بينها صنعاء فِي غُضُون 21 سبتمبر/ أيلول 2014.

 

وخلّفت الحرب أوضاعًا إنسانية صعبة، فيما تشير التقديرات إلى أن 21 مليون يمني (80فِي المائة من السكان) في حاجة ماسة الي مساعدات.

 

المصدر : المصدر اونلاين