الحديدة.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة
الحديدة.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

على الطريق الرابط بين منطقتي الطائف والضبة بمديرية الدريهمي جنوب الحديدة، يزحف طابور طويل من عربات الدفع الرباعي نحو المدينة الساحلية على البحر الأحمر، وبينما كانت المصابيح الأمامية لهذه السيارات تضيء وتنطفئ كناية عن تناقل التحية، رفع مئات المقاتلين الذين يعتلونها شارات النصر بأيديهم.

بسحنتهم السمراء، ثْبَتَ مقاتلون في «ألوية العمالقة» التابعة لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، و«المقاومة التهامية» الموالية لها بحماس كبير وكأن قيظ الصيف في الساحل الغربي لم ينل منهم، وهم يتوعدون بدحر مسلحي جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) من مدينة الحديدة، التي تمثل وميناءها عصب الحياة بالنسبة للحوثيين.


وبلكنة أهل الساحل الغربي لليمن، يقول عرفات أحمد -وهو مقاتل في المقاومة التهامية- للجزيرة نت «لن وَصَمَّد (نقضي إجازة العيد) إلا على ساحل الحديدة».


ورغم التحذيرات الدولية من الثمن الإنساني للهجوم، أعلنت الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف بقيادة السعودية والإمارات فجر اليوم الأربعاء إِسْتَفْتاح معركة «النصر الذهبي» وذلك «لتحرير» الحديدة ومينائها الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر.

 

من محاور عدة
وقبيل إِسْتَفْتاح المعركة، حَكَى فِي غُضُونٌ قليل المتحدث باسم لواء العمالقة عبد الله عبد المجيد للجزيرة نت إن الهجوم على الحديدة سيكون من محاور عدة، مؤكدا أن المقاتلات الجوية التابعة للتحالف والقوات البحرية تعمل على إسناد عملية تقدم قوات الجيش اليمني والمقاومة.


ووفق عبد المجيد فإن التحالف والحكومة اليمنية يسعيان لتقليل حجم الخسائر في صفوف المدنيين، وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل «لذلك نحن نتمنى أن يضغط جميع دول العالم أَثْناء الساعات القادمة على الحوثيين من أجل تسليم المدينة».


لكن صوت المعركة غطى على التحذيرات التي صدرت من الأمم المتحدة ومنظماتها على مدى الأيام القليلة السَّابِقَةُ، فمنذ ساعات فجر اليوم الأربعاء شنت مقاتلات التحالف ضربات جوية عنيفة على مواقع الحوثيين في مناطق النخيلة ونقطة قضبة ومحطة المصلي، بحسب ما رَسَّخَ القائد الميداني للجزيرة نت.

 

خوف وترقب
في مدينة الحديدة، تخيم حالة من الخوف والترقب لدى السكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم بلا حيلة مع إِسْتَفْتاح الهجوم على مدينتهم التي تعيش على وقع المعارك المستمرة فِي غُضُون ثلاثة أعوام.


سكان محليون قالوا إن الحوثيين عادوا للانتشار مجددا في شوارع المدينة، وفرضوا عشرات الحواجز العسكرية في مداخلها، خصوصا المنفذ الجنوبي للمدينة القريب من مديرية الدريهمي.


وشهدت المدينة أَثْناء الأيام السَّابِقَةُ هدوءا حذرا، لكن المعارك عادت للاشتعال مجددا مع إِسْتَفْتاح الهجوم الذي انطلق فجر اليوم، وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل وزيرة الخارجية اليمني خالد اليماني «نحن على أبواب الحُديدة (..) المشروع الانقلابي ينهار».

 

الحوثيون.. طوارئ واستنفار
على جبهة الحوثيين، عمت حالة من الطوارئ والاستنفار لدى قواتهم الساعية لاستمرار وضع اليد على ميناء الحديدة الذي يعتبر الأكبر في البلاد ويمثل شريان حياة لأغلبية السكان الذين يعيشون في مناطق تحت سيطرة الحوثيين.


وحرص الحوثيون على الدفع بالعشرات من مقاتليهم إلى الساحل الغربي، وشوهدت مدرعات عسكرية حديثة تابعة لهم تتجول في شوارع المدينة التي يسكنها 4الخامسة عشر ألف يمني، وفق آخر تعداد سكاني سَنَة 2004.


ومع إِسْتَفْتاح المعركة حْكِي فِي غُضُونٌ وقت قليل جداً تلفزيون المسيرة الناطق باسم الحوثيين أن قواتهم قصفت بصاروخين بارجة تابعة للتحالف العربي الذي لم يعلق على تِلْكَ الأنباء، كذلك علي الجانب الأخر حذر محمد علي الحوثي أحد زعماء الحوثيين التحالف من مهاجمة الميناء، إذ سبق له أن هدد بشن هجمات على ناقلات نفط في ممر الشحن الاستراتيجي بالبحر الأحمر.


وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل بيان إِسْتَولَي على عن وزارة الخارجية في حكومة الحوثيين -غير المعترف بها- إن التصعيد العسكري للتحالف والقوات الحكومية «سيقابل بصمود وبسالة من الجيش واللجان الشعبية في إطار الدفاع عن الأراضي اليمنية ومواجهة تحالف العدوان».

 

تحذيرات دولية
وتزايدت تحذيرات من الأمم المتحدة وجهات دولية أخرى من الهجوم على المدينة التي يمر عبر مينائها 80فِي المائة من واردات البلاد الغذائية والمساعدات الإغاثية المقدمة لليمنيين الذين يعيش 6 ملايين شخص منهم على حافة المجاعة.


لكن الأحداث تصاعدت مجددا «مع التراخي الدولي وبالتزامن مع الضغط الذي مارسته الحكومة اليمنية والتحالف العربي عبر أدواتهما الدبلوماسية»، حسبما أفاد مصدر حكومي يمني للجزيرة نت.


أمس الثلاثاء، وصل السفير الأميركي لدى صنعاء ماثيو تولر إلى مدينة مأرب شرق العاصمة صنعاء، في زيارة هي الأولى للسفير لليمن فِي غُضُون اندلاع الحرب في البلاد مطلع العام 20الخامسة عشر.


وحسب مصدر عسكري حكومي، فإن تولر التقى بمحافظ مأرب سلطان العرادة وقادة المناطق العسكرية في القوات الحكومية بمعسكر التحالف، وعقد مع العسكريين اجتماعا مغلقا استمر ساعتين.


ولم يورد المصدر تفاصيل الاجتماع، لكنه حَكَى فِي غُضُونٌ قليل إن الهجوم على الحديدة كان مطروحا على طاولة الاجتماع، خصوصا بعد أن أوردت صحيفة وول ستريت جورنال أن الإمارات ناشدت واشنطن إِعَانَة الهجوم على المدينة بالضربات الجوية التي تشنها عبر طائرات مسيرة. 

 

ضوء أخضر
ورغم أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لم تعط ضوءا أخضر لبدء الهجوم على الحديدة فإنها لن تعترض عليه، حسبما يقول الباحث الزائر بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية آدم بارون، وحَكَى فِي غُضُونٌ قليل بارون للجزيرة نت «إنهم يعترضون لكن ذلك ليس كافيا لوقف عملية التحالف».


وأضاف «مهلة التحالف للأمم المتحدة من أجل إقناع الحوثيين بتسليم المدينة قَامَتْ بالأنتهاء»، مشيرا إلى أن المعركة «تعد فرصة لإعادة تصميم خريطة حرب صنعاء».


غير أن معالم تِلْكَ الخريطة ستكون مختلفة بحسب بارون، الذي أشار إلى أن الأسئلة ستبقى مطروحة عن صُورَةِ المعركة الحالية في الحديدة، وهل ستكون طويلة المدى؟ وما هي كمية الدمار الذي سيحصل في المدينة والميناء؟ والأهم كيف سيتعامل حلفاء الحوثيين مع المعركة؟


وتأخذ معركة الحديدة أهميتها من الموقع الاستراتيجي للمدينة والميناء، إضافة لكون المعركة فيها هي الأطول والأكبر على مدينة محصنة فِي غُضُون اندلاع الحرب في مارس/آذار 20الخامسة عشر.


وفي حال خسارة الحوثيين معركة الحديدة فإن ذلك سيجعلهم محاصرين في العاصمة صنعاء المجاورة لها، كذلك علي الجانب الأخر ستفقد الجماعة التي تسيطر على البلاد أحد أهم أذرعها الاقتصادية، لكن الأسئلة تبقى عن الثمن الإنساني لهذه المعركة، بعد أن عمقت حرب صنعاء جراح بلاد ظل اسم «السعيد» قرينا لها على مدى الزمن.

 

المصدر : المصدر اونلاين