منهج نقد الحديث النبوي ما مدى حاجته إلى الإصلاح؟
منهج نقد الحديث النبوي ما مدى حاجته إلى الإصلاح؟
لا ينفك باحثون في العلوم الشرعية، ومثقفون متدينون، عن إثارة أسئلة واستشكالات قلقة، تشكك في صحة نسبة روايات حديثية للرسول عليه الصلاة والسلام، بعضها مروي في الصحيحين أو في أحدهما، أو في السنن الأربعة وغيرها.

وترجع تلك الأسئلة والاستشكالات في غالبها إلى عدم توافق تلك الروايات مع صريح القرآن الكريم، أو منافاتها لعصمة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو مصادمتها للعقل والحس والواقع، بحسب باحثين ومثقفين.

في هذا السياق، تساءل الأكاديمي الأردني، المتخصص في أصول التربية، والمدرس في الجامعات البحرينية، محمد الفقيه، كيف يمكن القبول بروايات، بعضها مروي في الصحيحين أو في أحدهما، لا تتوافق مع صريح القرآن؟

ومثّل الفقيه لذلك بالحديث الذي يقول، وهو في صحيح البخاري: "ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها". فهذه الرواية وفقا للفقيه لا تتوافق مع ما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ في القرآن الكريم، الذي لم يحمل حواء وزر الخطيئة الأولى، بل حملها لآدم بصريح القرآن في موضع، وجعلها مشتركة بينهما في مواضع أخرى.

وأضاف الفقيه لـ"" كيف يمكن تقبل الروايات التي تتحدث عن سيدنا موسى، حينما ضرب ملك الموت ففقأ عينه، وتصوره عريانا بعد أن سرق الحجر ثوبه، فأخذ يركض عريانا والناس ينظرون إليه، مع أن القرآن ينزه الرسل عن الوقوع فيما يخل بمكارم الأخلاق؟

وتابع "ذكر القرآن الكريم أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، بينما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ في صحيح مسلم أن الله خلق السموات والأرض في سبعة أيام. مضيفا: حينما تنظر في أجوبة شراح الحديث الساعية لإزالة هذا التعارض تجدها أجوبة متكلفة ومتعسفة وغير مقنعة.

وذكر الفقيه مثالا آخر للتناقض، بحسب فهمه وقراءته، بين ما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ في القرآن الكريم الذي يرَسَّخَ أنه (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، وبين ما ورد في الروايات التي "تأمر المسلمين بمقاتلة الناس حتى يدخلوا في الإسلام قهرا".

وجوابا عن سؤال: هل وجه تِلْكَ الأسئلة والاستشكالات لعلماء الحديث المتخصصين طلبا لإزالة التعارض؟ وماذا وجد عندهم؟ حَكَى فِي غُضُونٌ قليل الفقيه: "أجوبة علماء الحديث المختصين منقولة تماما عن شراح الحديث في القرن الثالث الهجري، وطالما أن الحديث ورد في الصحيحين، فعلينا أن نتهم فهمنا، وإذا تعارض مع آية قرآنية، فينبغي فهم الآية على ضوء دلالة الحديث؛ لأنه حاكم على القرآن".

وأبدى الفقيه استغرابه من أجوبة يتناقلها العلماء، ظنا منهم أنها ترفع التعارض، لكنها غير مقنعة أبدا، ممثلا بأجوبتهم عن خيانة حواء، والتوفيق بين تحديد مدة خلق السموات والأرض في القرآن والروايات، والتي لم يقتنع بها أبدا.

من جهته، حذر الأستاذ المساعد في الفقه وأصوله في جامعة الجوف السعودية، أنس غازي عناية، من "رد الأحاديث الصحيحة لمجرد احتمال تعارضها مع ظاهر القرآن الكريم أو العقل أو الواقع"، واصفا ذلك بالأمر الخطير الذي لا يقل خطورة عن العمل بما لا يصح من الأحاديث وبناء الأحكام عليها.

وبيّن عناية في حديثه لـ"" أن المسلم "إن رد سنة صحيحة لتعارضها في فهمه مع أصول أخرى فقد ألغى العمل بنص رباني إلهي، ووقع في التناقض ذاته الذي يحاول الهروب منه".

وتابع: "فرد المسلم للسنة الصحيحة الثابتة بدعوى تعارضها مع القرآن ظاهرا، وهي في حقيقة الأمر غير متعارضة معه، يعارض القرآن الذي أمره بوجوب الأخذ بالسنة، وإذا عارض المسلم السنة الصحيحة الثابتة لمعارضتها المعقول، وهي في الأمر ذاته غير معارضة للمعقول، فقد وقع في التناقض؛ حيث إن العقل لا يمنع الأخذ بها". 

ورأى عناية "أن كثيرا من أنصار الحداثة ودعاة مراجعة التراث أتوا من جانب قصورهم في التعاطي مع السنة، كضعفهم في فهم أساليب اللغة العربية في التعبير، فحين اعترضوا على أحاديث لمعارضتها المعقول، تراهم للأسف يعترضون على أَغْلِبُ الأحاديث الصحيحة الثابتة؛ لعدم قدرتهم على التفرقة بين الحقيقة والمجاز".

ومثّل عناية لذلك بأحاديث سيحان وجيحان، والنيل والفرات أنهار من الجنة، أو أحاديث "إن من أشد ما تجدون من الحر في الصيف هو من فيح جهنم، أو الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء".

وأوضح عناية أن المعترضين على أحاديث نبوية؛ بسبب مخالفتها الواقع كذلك علي الجانب الأخر يتوهمون، قد أتوا من جانب عدم فهم النصوص النبوية، في ضوء ملابساتها ومقاصدها في فهم الواقع، كأحاديث الأئمة من قريش أو تحريم سفر المرأة بغير محرم، ومن جانب عدم التفرقة بين الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة". 

بدوره، اقترح الروائي والإعلامي الأردني، يحيى القيسي، من أَثْناء مشاركاته على "فيسبوك" أن تكون هناك موازين محددة لمراجعة ما وصلنا من الفكر الديني.

وتناول القيسي ذلك في أربع نقاط؛ الأولى: كل حديث نبوي وصلنا يناقض القرآن لا يتم قبوله، حتى لو ورد في الصحيحين؛ لأن القرآن محفوظ وقطعي، وأن الكثير من الأحاديث الصحيحة تم ردها أو مراجعتها عبر التاريخ من كثير من العلماء المرموقين من مختلف المذاهب".

وأضاف القيسي لـ"": ومن أمثلة تِلْكَ الأحاديث "ما ورد في سحر النبي العظيم فيما يقول القرآن صراحة غير ذلك، ويسمي من يدعي ذلك ظالما (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا).

أما النقطة الثانية، وفقا للقيسي، فهي: كل حديث يطعن في العصمة النبوية لا يقبل، والأمثلة كثيرة على ذلك في الأحاديث، ولا مجال لإيرادها هنا. 

ورَسَّخَّ القيسي في النقطة الثالثة "أن القرآن نص مقدس ومحفوظ، بينما تفسيره عبارة عن اجتهادات بشرية، وبالتالي نحن غير ملزمين في وقتنا هذا بكل ما وردنا من التفاسير، خصوصا أن بعضها يناقض بعضا". 

وتابع القيسي: "لذلك يمكن للمسلم اليوم أن يتأمل في التفاسير ويراجعها، وقد يأتي أَغْلِبُ المجددين من العلماء بتفاسير أخرى جديدة وتأويلات مقبولة".

وحدد القيسي النقطة الرابعة بقوله: "لا يوجد ناسخ ومنسوخ في الآيات القرآنية؛ إذ لا يبدل الله سبحانه أقواله، والمقصود بقوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها) الآيات الكونية أو المعجزات التي كانت للرسل، مثل ناقة صالح، وعصا موسى وغيرها"، بحسب اقتراحه. 

ووفقا للقيسي، فإن هذا التوجه "يمكن أن ينقذ أجمل 201 آية في القرآن الكريم قام أَغْلِبُ العلماء بنسخها بأحاديث ضعيفة أو اجتهادات منهم"، متسائلا: كيف يمكن لحديث مثلا أن ينسخ آية قرآنية"؟.

ولفت القيسي إلى "أن تِلْكَ القواعد الأربع السابقة في حاجة ماسة الي توضيحات وأمثلة كثيرة، وتفتح باب الاجتهاد على مصراعيه"، على حد قوله.

لكن، كيف يجيب علماء الحديث ونقاده عن تلك الأسئلة القلقة والاستشكالات المثارة حول معايير محاكمة الأحاديث؟ وهل ثمة ما يدعو إلى مراجعتها وإصلاحها؟

خلافا للمقرر في علوم الحديث من استقرار منهج النقد الحديثي واكتماله، فإن أستاذ الحديث النبوي وعلومه، المتخصص في النقد الحديثي، عداب محمود الحمش، يدعو إلى "إصلاح منهج نقد الحديث النبوي"؛ لأنه بتحقق ذلك "يسهل على العقل المسلم حينئذ التفكير خارج الصندوق"، بمنطوق عبارته.

لكن الحمش تساءل: لماذا يحترم الناس سائر التخصصات العلمية في الدنيا، ولا يلتزمون بذلك مع العلوم الشرعية، خاصة علم النقد الحديثي، الذي لا يقوى على ممارسته وتطبيق قواعده إلا من كان ضليعا في علومه، متشبعا بفنونه.

وذكر الحمش أنه بقراءته لعشرات الكتب عن الطب، وامتلاكه لثقافة طبية جيدة، لا يجرؤ على وصف دواء لإنسان يعاني من أي مرض من الأمراض. لافتا إلى أنه "من حق المثقفين أن يعلنوا عن رغبتهم في تطوير مناهج النقد الحديثي وغيرها من مناهج العلوم الإسلامية، فهي تحتاج إلى نقد، وجميع مخرجاتها تحتاج إلى مراجعة وتمحيص".

وأضاف: "إن العلماء قديما وحديثا بحثوا تلك المسائل المتعلقة بعرض الحديث على القرآن، وعرضه على حقائق التاريخ والعلم والواقع، وسلامة الحديث من الإساءة إلى شخص الرسول، أو القدح في عصمته" لكن تطبيق المنهج النقدي المتكامل تعترضه عقبات كأداء، لم يستطع العقل المسلم المعاصر تجاوزها، والتعامل بمنطق العقل والعلم معها بعد.

وأوضح الحمش لـ"" أن من أبرز العقبات التي تحول دون تحقيق ذلك "لوازم عدالة الصحابة" بحسب شروحاتها المقررة، و"مسألة التوثيق" بحسب تطبيقاتها المعمول بها، و"قبول الحديث الفرد المطلق الغريب في الدين، العقائد والعبادات والأحكام والفضائل.. وكل شيء"، داعيا إلى مراجعة تلك المقررات وتمحيصها من جديد.

وفي إجابته عن الأسئلة والاستشكالات المثارة على حديث "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها"، المروي في البخاري، حَكَى فِي غُضُونٌ قليل الحمش: "عند نقد هذا الحديث، راجعت أكثر من ستين كتابا، لأجد كلمة واحدة من النقد العلمي، فلم أجد، لا في كتب الشروح، ولا في العلل، ولا في السؤالات، وكل الذي وجدته تفسيرات باردة بليدة، لا تصمد في وجه أي بحث علمي أو تفكير حر".

وذكر الحمش أن "الحديث إسرائيلي بامتياز، فتوراة بني إسرائيل تضج بفجور أنبياء الله تعالى وفسادهم وزناهم، حتى زنى المحارم (حاشاهم عليهم الصلاة والسلام)، وكأنه لشيوع الخيانة الزوجية في مجتمعهم البدائي قبل الإسلام، دسوا في التوراة نسبة الخيانة لحواء عليها السلام، حتى تصبح الخيانة الزوجية فطرة، لا حيلة للمرأة اليهودية في اجتنابها".

وأكّد الحمش أن القرآن -خلافا لما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ في التوراة- "يلقي باللائمة الكبرى على (آدم)، وليس على حواء، كذلك علي الجانب الأخر في قوله تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما)، (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى)، (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى*ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى).

وخلص الحمش إلى التساؤل: "فهل نرد هذا الحديث المنكر المخالف للقرآن العظيم، والمخالف لنواميس الكون، والمخالف لعلم الفيزيولوجيا والسايكولوجيا كذلك علي الناحية الأخري ، بِصُورَةِ عام أيضا "، ليجيب: "لا أظن لدى أكثر أهل الحديث الجرأة على ذلك؛ لأن إسناد الحديث صحيح".

تجدر الإشارة إلى أن ما خلص إليه المتخصص في الحديث النبوي وعلومه، عداب الحمش، هو ما استقر عليه صنيع المحدثين القدامى، وتابعهم عليه غالب المشتغلين بعلم الحديث من المعاصرين، المتمثل بتحاشي نقد متون الأحاديث القلقة، وتكلف الإجابة عن الاستشكالات المثارة على مضامينها؛ لأن أسانيدها صحيحة.
 

المصدر : عربي 21