«الابتسامة والكلمة الحلوة والثقافة».. الوجه الآخر لموظف الحكومة
«الابتسامة والكلمة الحلوة والثقافة».. الوجه الآخر لموظف الحكومة

«عايز تركب عداد مياه، عايز تغير العداد، بقالك وَقْتُ دايخ بورقك ومش عارف تخلصه، طلبات كتيرة مطلوبة منك ومش عارف تخلصها إزاى، أو تجيبها منين.. عليك وعلى مدام عزة».. من بين 11 موظفا إضافة لعدد المشرفين، هى الأكثر اسما ترددا فى المكان «مدام عزة» كذلك علي الجانب الأخر يناديها الجميع.

فى حجرة صغيرة بالطابق الثانى بمبنى قطاع المدن العمرانية الجديدة 6 أكتوبر، والشيخ زايد، محطة الحى السابع، وعلى مكتب صغير يتوسط ثلاثة مكاتب بالحجرة، يعلوه جهاز كمبيوتر تجلس عزة سعد، التى تستقبل كل من يقصدها من المواطنين بابتسامة تسبق بها شكواه، وكأنها تقرأ ملامح وجهه الغاضبة، فيهدأ ويبدأ فى شرح طلبه الذى تبذل فيه أقصى جهدها، حتى ينصرف المواطن وهو مطمئن لقضاء حاجته.

«عزة» تعمل فِي غُضُون 19 عاما، ومن المفترض أن وظيفتها الأساسية، سكرتارية بشبكات 6 أكتوبر، لكنها فى الواقع تعمل فى عمليات تنفيذ تركيبات العدادات الخاصة بالمياه، بالتنسيق مع رئيس القطاع ومدير الشبكات، لأنها تحب مساعدة الناس، كذلك علي الجانب الأخر أنها لا تمانع فى القيام بعمل أى من زملائها، إذا اضطرته الظروف لعدم التواجد، حتى تتمكن من مساعدة المواطن الذى يقصد هذا الزميل أو ذاك، لإنهاء طلبه.

«على قد فلوسهم»، مبدأ ترفضه «عزة» تماما، والسبب بائعة الفجل التى تجلس أمام منزلها، فهى لا ترى الابتسامة تفارقها، والرضا يملأ وجهها، لذلك فهى تحمد الله أن لديها وظيفة وعملا، تساعد الناس من خلاله، بل، وإن كانت تُصَابُ من ارتفاع الأسعار كغيرها، خاصة أن لديها ثلاثة أبناء، منهم من هو فى الثانوية عامة، لكن كل هذا تراه «وضع سَنَة» يعانى منه الجميع، ولا ذنب للمواطن فى ذلك، وترى أن مشاكل الموظف إذا أثرت على عمله، فليجلس فى منزله أفضل.

لم يَنْتَهِي أداء «عزة» على تقديم المساعدة، بل حاولت تطوير أداء العمل، وتسهيله فرغم أن دراستها لا علاقة لها بالكمبيوتر، إلا أنها قامت بتصميم برنامج لتسجيل كل الدفاتر على الكمبيوتر، وشجعها على ذلك رئيس القطاع، الذى استمع لفكرتها، وتم تصميم البرنامج بمساعدة فنى كمبيوتر».

ومن وزارة الإسكان إلى هيئة النقل العام، حيث نلتقى بأحد سائقيها، وهو أحمد عطا، أربعينى العمر، يلفت نظر الركاب بمجرد اعتلائه الأتوبيس، ببشاشة وجهه، وإلقائه السلام عليهم، وعندما ينطلق بالأتوبيس يلحظون حديثه المؤدب من أَثْناء ردوده على من يحدثه، أو يطلب منه شيئا.

ثلاث عبارات ملازمة له طوال عمله، هى: «اتفضل حضرتك، على مهلك وانت نازل وخللى بالك، وحاضر من عينيا»، ليس أسلوبه المهذب فقط وبشاشته، أهم ما يميزانه، ولكن صبره وقدرته على امتصاص غضب الركاب، خاصة فى أوقات الزحام، وامتلاء شارع الهرم عن آخره، مما يضاعف وقت الوصول، المخصص لعبوره، ورابع ما يميزه، ثقافته، فرغم أن تعليمه فوق المتوسط، لكنه يتَلَفَّظَ عن فى كل الموضوعات وبطلاقة، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودن تعصب أو انحياز. وذلك بسبب القراءة التى يهواها، ما ساهم فى تشكيل شخصيته، وكيفية تعامله مع الناس».

«التأمينات والمعاشات» من أكثر الجهات الحكومية، التى يحدث بها شد وجذب بين موظفها وبين الجمهور، هذا هو الشائع عنها، لكن سيد عبدالله (47 سنة) رئيس خزنة بالهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، يعمل بأداء عكس هذا المفهوم، فمدة خدمته حتى الآن 21 عاما، لم يشك منه عميل، وملفه خال من الجزاءات، لأنه أولا وأخيرا، لا يبتغى إلا رضا الله، ودعوة حلوة يبارك بها الله فى حياته، كذلك علي الجانب الأخر يؤمن بمبدأ «كذلك علي الجانب الأخر تلقي اللوم علي تدان» يقول: «أغلب الأفراد الذين أتعامل معهم من كبار السن، أصغر عميل فيهم عمره 60 عاما، وهم محتاجين معاملة معينة، ولابد من التعامل معهم بكل مودة واحترام علشان احنا فى يوم من الأيام هنكون مكانهم، وأنا أكتر حاجة بتسعدنى لما عميل يدعو لى دعوة حلوة، والحمد لله أحاول أعمل كل اللى ربنا يقدرنى عليه، حتى لو هأضغط على نفسى علشان محدش يزعل، لكن هناك أَغْلِبُ المشاكل البسيطة جدا اللى بتقابل الواحد، والحمد لله بأقدر أتفاداها».

وكان لابد من لقاء بجهة تشهد حاليا مشادات كثيرة، بين الجمهور والموظفين، خاصة بعد الإعلان عن تحديث بطاقات التموين، وإضافة المواليد الجدد، ومن قبلهما موضوع تجديد بطاقات التموين الورقية، إنها وزارة التموين. فالتقينا بـ«سليمان فهمى»، مدير مكتب تموين مصر القديمة ثان. فى مكتب بمساحة ثلاثة أمتار طول، ومترين ونصف المتر تقريبا، يتوسط مكتب «سليمان» ثلاثة مكاتب لرؤساء تموين أول وثان وثالث. ينوي عمله فى الثامنة من صباح كل يوم، أما موعد انتهائه، فليس محددا، لأنه وفقا لإنهائه للعمل. فرسميا يتعامل مع الجمهور فِي غُضُون التاسعة صباحا، حتى الثانية والنصف ظهرا. ثم يجلس بعد ذلك لإنهاء عمله المكتبى. مبدأه الوسطية والطبطبة على الناس، فليس لهم ذنب فى أى شىء يحدث له. المرة الوحيدة التى سعى فيها لمقابلة مرشح مجلس الشعب عن دائرة مصر القديمة، كان من أجل أن يوصيه بتوصيل صوت منتخبيه ممن لديهم مشاكل بالتموين، إلى الوزير. ومن الطريف أنه ليتخلص من المشاكل التى تقابله فى عمله، قام بتخصيص ملف على الكمبيوتر فى منزله وسماه «الفنكوش» يقوم بتسجيل يومياته فى العمل يوما بيوم، وما إن ينتهى من كتابتها، ويعيد قراءتها، فيضحك عليها، وتنتهى بذلك ويتخلص من ضغطها عليه. ليبدأ يومه الجديد بابتسامة جديدة مع الجمهور.

«على قد فلوسهم» يقول عنه: لو تعاملت به، يبقى بلاش الشغل أصلا»

أصعب المواقف التى يتعرض لها هى سوء فهم المواطن له، فهو يعتقد أنه يملك إنهاء طلبه، لكنه يمنع ذلك، ويمشى وهو حزين وغضبان منه. لكنه يرَسَّخَ ويحمد الله أن أكثر المشادات التى تحدث تنهى بالاعتذار له، بعد أن يهدأ من روع المواطن، ويفهمه طبيعة ما يمكن أن يقدمه له، وفقا للآليات المتوفرة له.

القراءة عشقه، فالكتاب ملازم له فى المنزل والمواصلات، فهى تفصله عن كل ما حوله، وتمده بقدرة هائلة على تجاوز أى شىء يحدث له. وكل ما يريده «سليمان» فى عيد العمال هو رسالة يوجهها إلى وزير التموين بعقد اجتماعات دورية مع مديرى مكاتب التموين، لمعرفة المشاكل الحقيقية التى يواجهها المواطنين، باعتبارهم الأكثر احتكاكا بهم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم