الدائرة (ذا سيركل) 2017
الدائرة (ذا سيركل) 2017

«المعرفة جيدة، لكن معرفة كل شيء هي الأفضل»: انفلات وسائل التواصل الاجتماعي «مستقبلًا» لتتجاوز كل الأسرار والخصوصيات والحريات الشخصية!

فيلم تشويق من بطولة كل من إيما واتسون (هاري بوتر)، توم هانكس (سولي)، وجون بويجا (حرب النجوم/ استيقاظ القوة)، عندما يتم توظيف العشرينية المنحدرة من طبقة متوسطة ماي هولاند (إيما واتسون) لتعمل في شركة تقنية عالمية كبرى، مختصة بالسوشيال ميديا، تجد في ذلك فرصة العمر السانحة، وعندما تتدرج في المناصب، يعجب بأدائها مؤسس الشركة إيمون بيلي (توم هانكس)، ويطلب منها أن تنغمس في تجربة عملية مُنْفَرِدَةُ لتخطي حدود الخصوصية والفردانية والحرية الشخصية، ثم نكتشف أن مشاركتها بحماس في تِلْكَ التجربة الفريدة وتبعات ذلك من قرارات، قد بدأت تؤثر على خصوصيات وحيوات أصدقائها وصولًا لخصوصية حياة والديها الكهلين ووالدها المريض، وحتى يكاد يمس الإنسانية جمعاء. إنه شريط مشوق يجمع الدراما بالغموض، ومن إخراج «جيمس بونسولدت» وكتابة «ديف إيجرز»، استنادًا لرواية شهيرة، فيلم مليء بالإحباط والتشاؤم، يكشف لنا مساوئ الشفافية المطلقة التي تقود للفضائح والكوارث، رابطًا الأسرار والخصوصيات بالكذب والخديعة. إنها ثقافة التواصل الاجتماعي الفاضحة لكل الخصوصيات ومجاز ذكي فاضح لتغول تِلْكَ الثقافة الآن ومستقبلًا، تكمن المفارقة هنا في قيام «ماي» أخيرًا باستخدام «أدوات الدائرة» ذاتها ضد مؤسسيها الخبثاء، لتفضح سلوكياتهم وأسرارهم الشخصية ومراسلاتهم الإلكترونية الخفية، ولكنها تفعل ذلك قسرًا وبجسارة وبلا صلاحيات ومن منطلق اليأس، لينتهي الفيلم بِصُورَةِ غامض ومفاجئ ومجازي: «الدائرة» هي شركة «سوشيال ميديا» تمزج بطبيعة عملها ما بين كل من «جوجل وفيسبوك وتويتر» تحت شعار جديد «المعرفة جيدة، لكن معرفة كل شيء هي الأفضل! يتماثل دور توم هانكس هنا بدور بيلي مع منهجية الْفَقِيدُ «ستيف جوبز» في رؤياه الحماسية للمستقبل، وبطريقة استعراضه اللافتة، فهو يقدم سحرًا عفويًا مشهديًا بطريقة أدائه الفريدة، أما «جون بويغا» فقد قدم دورًا داعمًا ولكن بلا معنى، والفيلم مكرس «لبيل باكستون» الذي توفي في فبراير (شباط) الماضي، والذي أبدع بدوره القصير المعبر كوالد ماي المعاق، والذي يعاني من مرض «التصلب العصبي المتعدد».

تنبهر ماي تمامًا عندما تعاين المكاتب الفارهة المفتوحة، ومرافق الطعام الزجاجية الشاهقة، والمساكن الأنيقة المريحة لأولئك الذين يقضون لياليهم في العمل الدؤوب، كذلك علي الجانب الأخر تشعر بالسعادة لمشاهدتها للمرافق المضيئة التي تعمل ليلًا، ولسماع الموسيقى الرائعة من فضاءات العشب المضاءة، ناهيك عن تنوع الأنشطة الرياضية والنوادي وممارسات الهوايات وأماكن الترفيه المتعددة، وحتى حوض السمك فهو مليء بالأسماك الملونة النادرة المدهشة. لم تصدق ماي حالها وقدرت في سرها الحظ الكبير الذي هيأ لها فرصة العمل في الشركة الأكثر تأثيرًا في أمريكا، ولم تأخذ بجدية مدى التناقضات خارج حرم الشركة، ولا حتى أسباب لقائها المفاجئ مع شخص غريب ناقم، أُسْتَطَاعُ أَنْ يَتِرَكَ العمل مستاء لأنه يتعرض لفضح الخصوصية وانتهاك حرية الآخرين، ثم حتى مع دورها المتضخم في «الدائرة» وطريقة مجابهتها للجمهور ودعم المدير التنفيذي الحماسي لها. إذن ما بدا وكأنه قصة طموح فتاة عشرينية مثالية متحمسة، انتهى تدريجيًا ليثير تساؤلات عديدة حول الذاكرة والتاريخ والخصوصية والشفافية، وصولًا للديمقراطية وحدود التدخل بحيوات الآخرين الشخصية ومدى المعرفة المسموح بها… إلخ.

الفيلم بمثابة «عرض هجين» لشركات التواصل الاجتماعي، حيث يتماثل دور هانكس مع الرئيس التنفيذي لشركة تويتر «جاك دورسي» بتمثيله لعبقرية تِلْكَ التكنولوجيا الشيطانية (فهذه الأجهزة اللوحية ليست مجرد أجهزة آيباد عادية بل أكثر من ذلك/ من حوارات الفيلم المعبرة)، كذلك علي الجانب الأخر أن شخصية «بيلي» الهجينة المركبة لا تتماثل مع شخصية تقنية كاريزمية واحدة، فلديه تماثل مسرحي لافت مع حركات مؤسس آبل الْفَقِيدُ «ستيف جوبز» بكاريزميته وبساطته المباشرة التفاعلية، كذلك علي الجانب الأخر بهندامه اللارسمي البسيط الشبابي، وهو قادر على الوصول للموظفين بعرضه لأقراص ملونة من الألمونيوم، تزينها الشعارات البيضاء المتوهجة، ثم بطريقة تبجحه الإعلاني الاستعراضي بقدرته على معالجة جميع الأمراض، وإطلاق إمكانيات البشر بلا حدود، كذلك علي الجانب الأخر بتبنيه لأسلوبية مدير فيسبوك «مارك زوكربيرج»، ثم باستخدامه للغموض لجذب الجمهور لطرح الأسئلة، عندئذ يظهر «الوجه البشع» للشفافية عندما تتحول لسلاح قاتل ضد قادتها والمنادين بها، ولكن الفيلم يحافظ على قوته المجازية عندما ينتهي بِصُورَةِ غامض قابلًا للتأويل.

إنه فيلم «رؤيوي» بامتياز، يتَلَفَّظَ عن عن «يوتوبيا» تقنية قادمة، عندما تتحول الراحة الرقمية لكابوس مؤرق، مثل «سحق الخصوم والسعي لتراكم الثروة بكل الوسائل»، فالبطلة المتحمسة أصبحت لا تملك إلا ثلاث دقائق فقط للذهاب للمرحاض بلا رقابة، ونجد الدليل حاليًا متمثلًا بحالات بث جرائم القتل بصنوفه، وكذلك الممارسات السادية الشريرة وحالات الانتحار على فيسبوك، مما يرَسَّخَ صحة مزاعم هذا الشريط «التحذيري» ورسالته الخطيرة، أما الطريف والجديد هنا فيتمثل بكاميرا «بعد النظر» الكروية الصغيرة، التي يمكن تركيبها ببساطة في أي مكان، لتبث لاحقًا وبشكل انتقائي ما يسمى أيضًا «فيديو بعد النظر» وهي التي أطلقها المدير بحماس أمام الحضور الكبير للجمهور الشغوف، مطلقًا شعارًا وهميًا «نحن نسعى لشفاء كل الأمراض فلا حدود لإمكاناتنا»، ثم تَحْرِير مقولة مفادها أن «الأسرار هي مجرد أكاذيب خفية وهي تسمح بانتشار الجرائم وبعدم المحاسبة»، وبالرغم من ذلك فقد نجحت ماي بالهروب فيما كان القمر بدرًا وركبت قارب «الكاياك» وذهبت خفية في بدايات الليل لزيارة والديها، وأطلقت فيما بعد بحماس دعوة تمثل قناعة والتزامًا لإرضاء مديرها الخبيث: «سأكون شفافة جدًا وسأحمل كاميرا بعد النظر دائمًا معي للتجسس الكامل على الحياة الشخصية للآخرين وكشف أسرارهم وحتى طريقة تنظيف الأسنان!».

تدشين حساب إلزامي والبحث عن «مجرمة هاربة» وإنسان عادي للتعقب

والمقصود هنا تدشين حسابات إلزامية لحوالي 241 مليون ناخب أمريكي من أَثْناء دوائر الحكومة، «فنحن بحاجة لديمقراطية حقيقية للمرة الأولي في التاريخ»؟! ولا حاجة أبدًا للمحافظة على الخصوصية وهذا سيؤثر تلقائيًا على الحيوات الخاصة للأصدقاء والبشر العاديين، كذلك علي الجانب الأخر يفضل دومًا الكشف عن الأجندات الشائنة، هكذا أخذنا موافقة 22 بلدًا للبحث عن الحقائق وكشف الجرائم، وسأكشف لكم طريقة عمل تِلْكَ الكاميرا المدهشة، حيث وأَثْناء 22 دقيقة فقط سنكشف مكان مجرمة هاربة من العدالة، وسيشاهد ذلك مليار إنسان. بالفعل لقد وجدنا المشبوهة الهاربة «فيونا» القاتلة في الجنوب الإسباني وقبضنا عليها. ثم كيف سنبحث عن إنسان عادي أَثْناء عشر دقائق فقط، هكذا تطلب منهم أن يلاحقوا بلا هوادة صديقها الخجول ميرسر «قاتل الوعول وصانع القربان»، حيث نشاهده يهرب جزعًا بسيارته من الجموع الملاحقة له، ليتعرض لحادث سير مريع ويموت، ويصيبها شعور كاسح بالذنب والندم الشديد. ثم ما طريق «تاي لافيت» (جون بويجا) المبتكر للنظام والكاره له والهارب منه ندمًا واشمئزازًا؟ يجيب مدير الشركة المتحمس بأن نظام الملاحقة الحثيثة هذا يسمح بتحسين مستوى الخدمات العامة وتجنب حوادث السير بأنواعها وترميم الأشياء والأمكنة المغلوطة، ولكن «ماي» وربما انتقامًا تقلب «الطاولة» على رأسيهما (إيمون الداهية الخبيث ومساعده الصامت دومًا المؤسس المشارك توم/ باتون أوسوالت) في المشاهد الأخيرة المعبرة، فتتبع بريدهما الإلكتروني، وتكشف اتصالاتهما وتتبع حركاتهما، ويكون رد فعلهما تلقائيًا وغير متوقع «لقد قضي علينا»! وينتهي الفيلم بنهاية مفتوحة غامضة ومجازية، حيث تعود ماي للقارب والمجداف وهي تنظر للأفق مع نظرات حزينة تائهة ومحيرة!

ملخص نقدي

لم يلق هذا الفيلم مراجعة نقدية عادلة في اعتقادي (4 من 10) وقد استغربت حقًا من تدني درجته، وقد وجدت أن هانكس وشريكه إسوالت (الصامت دومًا) لم يأخذا دورهما على مأخذ الجد، وربما كان ذلك مقصودًا لتأكيد عناصر «الدجل والتخوين والاستخفاف لكي لا أقول المبالغة» الكامنة في تِلْكَ المسرحية «الأورويلية» الساخرة والعبثية، والدالة على التوقعات المرعبة لمجتمع «الرقابة» المستقبلي القادم، مع التأكيد على البعد الدرامي والكارثي والغرائبي، بدا الطرح السينمائي ساذجًا أحيانًا وربما كان ذلك مقصودًا أيضًا، حيث رسالة الفيلم واضحة لا لبس فيها، فهي توجه نقدًا لاذعًا وواقعيًا لوسائط الميديا الاجتماعية السائدة، وتحذر من تغولها وسيطرتها الكاسحة على كافة أَشكَالُ حياتنا وحريتنا وخصوصياتنا، إنه خيال علمي واقعي ومحتمل، يعرض «ديستوبيا رؤيوية» تحذيرية لما يمكن أن يحدث مستقبلًا عندما تنفلت الأمور من ضوابطها وعقالها وتتغول وسائل وتقنيات «التواصل الاجتماعي»، وهو يتَلَفَّظَ عن باختصار عن «فاشية» واستبداد التقنيات الرقمية، وانتقالها للتجسس واقتحام الخصوصيات وتدميرها للحريات الشخصية بحجة «الشفافية والديمقراطية»، كل ذلك أعطى حجم فكرية وفنية مُنْفَرِدَةُ لهذا الشريط لأنه يحذرنا من الدمار القادم الذي بدأنا نشاهد بوادره في الكثير من الحالات والأمثلة هنا وهناك!

المصدر : ساسة بوست