حرب السعودية في صنعاء ليست الأولى.. ماذا تعرف عن حربها ضد عبد الناصر هناك؟
حرب السعودية في صنعاء ليست الأولى.. ماذا تعرف عن حربها ضد عبد الناصر هناك؟

بعد عامين ونصف من القتال في صنعاء، أشار تقريرٍ أخير لوكالة بي بي سي (BBC) الإخبارية عن الوضع الحالي في صنعاء، إلى أن حصاد الحرب حتى الآن هو أكثر من 8600 قتيل، هذا بالإضافة إلى أكثر من 49 ألف شخص مصاب من جراء الغارات الجوية التي قادها التحالف متعدد الجنسيات بقيادة السعودية فِي غُضُون مارس (آذار) 2015 وحتى الآن، كذلك علي الجانب الأخر أدى الحصار الذي فرضه التحالف إلى خلق أكبر حالة طوارئ في مجال الأمن الغذائي في دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ، إذ إن هناك الآن أكثر من مليوني شخص يمني يعانون المجاعة، ويحتاجون إلى المساعدات الإنسانية.
كان الصراع اليمني في البداية قاصرًا على محاولة الرئيس الثاني للجمهورية اليمنية «عبد ربه منصور هادي» وضع اليد على مقاليد الحكم في دولته، بعد نزاعٍ على الحكم مع حركة الحوثيين -وهي حركة تدافع عن الأقليات الشيعية في صنعاء- والقوات الموالية للرئيس اليمني السابق «علي عبد الله صالح»؛ ومن ثم صُعد النزاع خاصة بعد وجود أحاديث عن مؤازرة قوات عسكرية شيعية تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية للحوثيين، مما أثار المملكة العربية السعودية، والتي سعت جاهدة إلى تكوين تحالف دولي -تابع للمذهب السني- يتكون من ثماني دول عربية على رأسها «جمهورية مصر العربية»، قادوا جميعًا فِي غُضُون 2015 وحتى الآن مجموعة من الغارات الجوية تهدف كلها إلى مؤازرة حكومة السيد «هادي» لاستعادة الحكم، لكن لم تكن تلك هي المرة الأولى، التي تحارب فيها السعودية ومصر تحديدًا داخل الحدود اليمنية، فهناك حرب سابقة، لم تكن فيها مصر والسعودية يحاربان جنبًا إلى جنب؛ بل حاربت السعودية ضد عبد الناصر هناك.

لماذا كل هذا العداء من السعودية لعبد الناصر؟

نشر «علي عبد الله صالح» الرئيس اليمني السابق أمس الثلاثاء نص وثيقة تداولتها وسائل الإعلام ووصُفت بالخطيرة؛ إذ تضمنت رسالة تاريخية أرسلها الملك الْفَقِيدُ «فيصل بن عبد العزيز آل سعود» ولي العهد الأسبق للمملكة العربية السعودية، إلى الرئيس الأمريكي «جونسون» في سَنَة 1966، أي قبيل هزيمة الجيش المصري في سَنَة 1967، قد تكشف تواطؤًا واضحًا من المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة بشأن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء.

وكان من ضمن ما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ بالوثيقة، هو إشادة الملك فيصل بدور مصر الخطير في صنعاء والمنطقة العربية ككل، وذلك من أَثْناء الدعم المصري الذي قدمه عبد الناصر للثوار، وإلهاب مشاعر الناس بخطبه الرنانة، وهو ما يهدد عرش المملكة العربية، ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، على حدٍ سواء.

وحث الملك المحتمل للمملكة العربية السعودية حينذاك، طبقًا لما ورد بالوثيقة، الرئيس الأمريكي على ضرورة إِعَانَة إسرائيل لعمل حَمْلَة خاطف على مصر؛ لأنها الطريقة الوحيدة لإخراج الجيش المصري من صنعاء؛ فهل وصل العداء بين المملكة العربية السعودية وعبد الناصر إلى تِلْكَ الدرجة؟

«ثورة صنعاء قامت في 26 سبتمبر (أيلول) من سَنَة 1962، وفي اليوم السابع والعشرين عانى الملك سعود ملك (المملكة السعودية) حالة هيستيرية؛ وبدأ في إرسال الأسلحة إلى (نجران وجازان) -وهي المدن الحدودية بين السعودية واليمن- للوقوف إلى جانب الحكم الملكي ضد الثورة، وللحق أقول إن للشعب العربي مسؤوليته؛ الشعب الذي أطلقوا عليه المملكة العربية السعودية، والحقيقة أنها كانت طوال العمر الجزيرة العربية ونجد والحجاز، ولكن هل يقبل الشعب نفسه أن ترفع المملكة أسلحتها في وجه الثورة؟» -جمال عبد الناصر من عن حرب صنعاء

كان جمال عبد الناصر الرئيس المصري الْفَقِيدُ، فِي غُضُون توليه حكم مصر بعد ثورة يوليو (تموز) 1952، مؤمنًا بالفكر الثوري الذي يتعدى حدود دولته الصغيرة ليشمل دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ المحيط؛ إذ صرح في كتابه «فلسفة الثورة» أنه لا يستطيع أن يعيش منفصلاً داخل دولته عن دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ، وأن أزمات دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ ومشاكله وحروبه تقتحم علينا أبواب بلادنا وتؤثر فينا، بحسبه، وهو ما بنى عليه سياساته الدولية والخارجية في ذلك الوقت، متكلاماًً: «أيمكن أن نتجاهل أن هناك دائرة عربية تحيط بنا، وأن تِلْكَ الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخها بتاريخنا، وارتبطت مصالحها بمصالحنا؟».

يشير عبد الناصر في خطاباته، فور قيام الثورة اليمنية على النظام الملكي حينذاك، إلى أن ثورة صنعاء هي ثورة مصر، وهو ما جعله يبذل فيها كل نفيس وغالٍ من جنودٍ ودعم؛ تحقيقًا لسياسته التي سعت نحو القومية العربية، ومناهضة النظم الملكية، فنظر إلى نفسه بشَخْصِيَّتةُ بطلاً عربيًا، يصنع لنفسه دورًا مجيدًا في ظل الظروف والأحداث التي عانت منها المنطقة العربية في ذلك الوقت، ومن هنا تبلورت فكرة الصراع اليمني إبان الحرب الأهلية، التي دارت رحاها بين 1962 و1970؛ إذ أصبح صراعًا دائرًا بين النظم الثورية الجمهورية في دُوِّلَ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ العربي، والنظم الملكية حينذاك على الأرض اليمنية.

كل تِلْكَ التصريحات المناهضة للملكية أثارت مخاوف المملكة العربية السعودية، فعبرت عن قلقلها المستمر في رسائلها المتبادلة مع الرئاسة الأمريكية من التهديد الذي يشكله جمال عبد الناصر على الحكم الملكي للمملكة العربية ذاتها؛ إذ كانت تخشى أن تتسرب أفكاره الثورية إلى داخل شعبها، مما يزعزع استقرار حكم المملكة، فتجد نفسها في مواجهة ثورية داخلية.

وهو ما يثبته ما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ في نص وثيقةٍ أخرى سابقة لتلك الوثيقة، نُشرت على الموقع الحكومي للولايات المتحدة «History Gate» أرسلها الرئيس الأمريكي «جونسون» إلى الملك «فيصل بن عبدالعزيز» في سَنَة 1965 تتضمن مؤازرة «جونسون» لما أسماه في نص الوثيقة الأهداف المتبادلة بينهما لمناهضة الشيوعية، كذلك علي الجانب الأخر طمأن مخاوفه بشأن قوات الجمهورية العربية المتحدة في صنعاء -التي تزعمها عبد الناصر- قائلًا: «أبلغني السفير هارت بشأن قلقكم المستمر إزاء وجود أعداد كبيرة من قوات الجمهورية العربية المتحدة في صنعاء، والتهديد الذي تعتقدون أنهم يشكلونه على بلدكم، وهو أمر نتشاركه وإياكم، فهدفنا كذلك علي الجانب الأخر تعلمون هو تحقيق انسحاب تِلْكَ القوات، ووقف التدخل الأجنبي في الشؤون اليمنية، ولتحقيق هذا الهدف يأتي أمن المملكة العربية السعودية في مقدمة أذهاننا»، كذلك علي الجانب الأخر وعده جونسون بتقديم الدعم المالي والعسكري، من تحديث القوات العسكرية، إلى تلبية الاحتياجات الأمنية اللازمة للمملكة العربية؛ لمساندتها في حربها باليمن.

حين حاربت المملكة العربية السعودية إلى جانب الشيعة في صنعاء!

كانت الثورة اليمنية، كذلك علي الجانب الأخر رواها مجموعة من الباحثين السوفييت في كتاب «التاريخ اليمني المعاصر»، وليدة حينذاك، ولكن في موقف قوة؛ إذ استطاع الجمهوريون، وفي مقدمتهم الضباط الأحرار، إسقاط حكم الإمام «محمد البدر» والاستيلاء على الإذاعة المحلية في صنعاء، وإذاعة البيان الثوري، كذلك علي الجانب الأخر تمكنوا من إخضاع المناطق الجنوبية حتى الحدود مع المحميات البريطانية، ولكن المنطقة الشمالية والمنطقة الشمالية الشرقية لم تكن في حوزتهم، نظرًا للوضع المميز للإمام «محمد البدر» بين قطاع عريض من الشيعة هناك؛ لأنه كان في نظرهم معصومًا ومبرءًا من الخطأ.

في ذلك الوقت تبلور دور «المملكة العربية السعودِية» في حرب صنعاء 196ِ2؛ إذ على الرغم من ميولها السنية العقائدية، فإنها قدمت الدعم المالي والعسكري للقبائل الشيعية اليمنية، التي ساندت الحكم الملكي التقليدي.
يروي الباحثون في كتاب التاريخ اليمني عن المساعدات التي قدمتها المملكة العربية للقبائل قائلين: «قدمت السعودية لهم أموالاً هائلة، وظهر الإمام محمد البدر في المناطق الواقعة على الحدود مع المملكة العربية، وانضم إليه الأمير حسن والكثير من أفراد الأسرة الملكية اليمنية، كذلك علي الجانب الأخر انضمت إليهم في معسكر البدر الشخصيات الفاعلة في النظام البائد، مما أتاح الفرصة أمام الملكيين للبدء بشن حرب مسلحة ضد الجمهورية العربية اليمنية».

كانت مصر في ذلك الوقت بقيادة جمال عبد الناصر، هي الدولة الوحيدة إقليميًّا القادرة على تقديم الدعم إلى الجمهوريين باليمن، من أجل الأمساك النهائية بالملكية، وتدعيم أواصر الحكم الجمهوري، وبالفعل لم يتوان الرئيس المصري حينذاك «جمال عبد الناصر» عن الاعتراف باليمن دولة جمهورية، وكان هذا الاعتراف أول اعتراف دولي بالجمهورية الوليدة.

أرسل عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود المصريين، قوة استطلاعية في صنعاء؛ لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم على خط النار يواجهون حربًا أهلية، كذلك علي الجانب الأخر وصفهم تقرير «واشنطن بوست» عن الحرب، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من سَنَة 1962، وقعت اتفاقية دفاعٍ مشترك بين الجمهورية العربية اليمنية ومصر؛ وذلك من أجل تقنين وجود القوات المصرية على الأراضي اليمنية ومشاركتهم المعارك إلى جانب الجمهوريين.

في ذلك الوقت تحالفت السعودية مع الأردن وقدمت لهم بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية الدعم اللازم للمواجهات، في حين حصل المصريون على إِعَانَةٍ ضمني من الاتحاد السوفيتي؛ فأصبحت صنعاء ساحة جديدة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والسوفيت.

كيف تحول الكره إلى حب بين المملكة العربية السعودية ومصر؟

في سَنَة 1970، قَامَتْ بالأنتهاء الحرب الأهلية في صنعاء، بعد أن توصلوا إلى اتفاقٍ بين الفصيلين الجمهوري والملكي بتشكيل حكومة جمهورية في صنعاء تضم جَمِيعَ الاعضاء فِي من الفصيل الملكي وليس من العائلة المالكة، وأصبحت صنعاء جمهورية كذلك علي الجانب الأخر تمنى لها عبد الناصر، إلا أن مصر قد دفعت الثمن غاليًا؛ إذ أرسل عبد الناصر على مدار سنوات الحرب أكثر من 70 ألف جندي مصري، توفي منهم في أَغْلِبُ التقديرات 10 آلاف جندي، وغرقت مصر في ديون الحرب الهائلة التي دمرت البلاد، وأدت إلى هزيمة هزيلة للجيش المصري، فيما عرف باسم حرب الأيام الستة التي قادتها إسرائيل واحتلت بعدها هضبة الجولان السورية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء.

أما عن العلاقات المصرية السعودية، فقد عانت في بداية حكم عبد الناصر من التوترات وصلت إلى حد العداء؛ إذ يشير تقرير قديم في «النيويورك تايمز» إلى أن جمال عبد الناصر قد عمل في سياساته الخارجية على تصدير الفكر الثوري، فانهارت الملكية في الأردن والعراق تباعًا بعد اِنْصِبَاب النظام الملكي في مصر، مما أثار الخوف في قلوبِ الملوك العرب حينذاك، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية؛ فأعلن عبد الناصر الوحدة العربية بين مصر وسوريا سَنَة 1958، واتخذت اسم «الجمهورية العربية المتحدة» لتكون حجر الأساس لبناء إمبراطورية عربية.

كانت تحركات عبد الناصر فِي غُضُون توليه الحكم، وحتى حرب الأيام الستة 1967، تثير الذعر خاصة لدى المملكة العربية السعودية، التي سعت إلى إيقاف المشروع الناصري قبل وصوله إلى الرياض، كذلك علي الجانب الأخر يشير التقرير، وأنه بالنسبة لعبد الناصر كان انقلاب صنعاء على الملكية فرصة جيدة لزعزعة حكم آل سعود في المملكة العربية.

على مدار الخمسين سَنَةًا الفائتة تبدلت الأدوار، فبعد أن كان عدو السعودية الأول هو الجمهورية الناصرية، ونفوذها الذي يمتد وينتشر على أنقاض النظم الملكية البائدة، أصبح عدوها الأول اليوم هو «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» وتوجهها الشيعي، ونفوذها الممتد في المنطقة العربية، من بعد ثورات الربيع العربي، ومن هنا أصبحت القبائل الشيعية التي حاربت السعودية إلى جانبها من قبل في حرب صنعاء 1962، هي معقل الحوثيين الآن، ومحور الأزمة السعودية في صنعاء فِي غُضُون سَنَة 2015 وحتى وقتنا الحالي، أما مصر فقد سحبت قواتها من صنعاء إثر هزيمة 1967، ولم تعد تشكل خطرًا على المملكة العربية حينذاك، إلا أن العلاقات المصرية – السعودية لم تبدأ في التحسن إلا بعد مؤتمر الخرطوم في سبتمبر من سَنَة 1967، كذلك علي الجانب الأخر يشير الباحث «محمود إبراهيم بسيوني» في بحثه التاريخي: «تطور العلاقات المصرية السعودية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية»، إذ بدأ الملك فيصل حديثه في المؤتمر متكلاماًً: «إنني أقترح أن تكون كلمة الأخ جمال عبد الناصر، هي ورقة العمل الخاصة بالمؤتمر».

يشير الباحث إلى أن جمال عبد الناصر قد عمل في نهاية حكمه على تجميد الخلافات بين الدول العربية، وتوجيه الطاقات نحو تحرير الأرض، فكان الأمر أشبه بعقد هدنة من الصراعات العربية، ومن ثم بدأ التقارب المصري السعودي، خاصةً بعد تولي أنور السادات حكم مصر حينذاك، ليغلق صفحة النزاعات جانبًا، ويفتح صفحة جديدة، خاصة مع اتخاذ مصر موقف العداء إلى جانب السعودية تجاه الثورة الإيرانية سَنَة 1979.

المصدر : ساسة بوست