أتعلمين ما هي 20 سنة يا صفية؟!
أتعلمين ما هي 20 سنة يا صفية؟!

مؤخرًا تم الحكم على أحد معتقلي حراك الريف بـ20 سنة سجنًا نافذًا، وأمام هول الصدمة لم أشأ إلا أن أستعير أسلوب العنيد «غسان كنفاني» مستنكرًا جور الحكم المنطوق به في حق شاب على أعتاب العشرين، ومتحسرًا على مآل لم يتكهن به أشد المتشائمين. مآل دامس في ظلام على ظلام، بين جدران أربعة لا ليل لها ولا نهار. عبثًا ومهما حاولنا النفاذ إلى أعماق السجين لنتاقسم معه أَغْلِبُ الأسى إلا ويخيب سعينا، فوطأة السجن وبأسه لن يحس بهما إلا من تقرفص في إحدى زواياه وتكبد ويلاته.

أتعلمين ما هي 20 سنة يا صفية؟! إنها لب الحياة، هي العمر أُجَمِّعُ، هي النصف الآخر من حلم لم يكتمل بعد، هي عتبة باب أرخى مصراعيه لشباب حالم، هي صفحة من كتاب حكم عليها الكاتب بالزوال المميت.

في وطني، مجرد التفكير في السنوات العشرين القادمة من حياتك – وأنت حر طليق – يشعرك بالحيرة والحسرة. فأي شعور ذاك الذي سيعتري المعتقل وفي انتظاره 20 سنة وراء القضبان! ليس هناك ماذا تعرف عن أشد هولًا وقسوة من البطء، عشرون سنة في عيون السجين قرن من الزمن، وكل دقيقة تمر إلا وتشيب معها شعرة من رأسه.

حقًا لا شيء أفظع من الحاضر الجامد. وإذا كانت عشرون سنة قرنًا في نظر المعتقل فهي الدهر أُجَمِّعُ في عيني أمه، فلا يطيب لها عيش ولا يهنأ لها مقام، تتقلب على الفراش يمنة ويسرة، تتأوه ألمًا وتعتصر وجعًا، الكل نيام إلا أم المعتقل، تتدحرج بين المحاكم والسجون كذلك علي الجانب الأخر صخرة سيزيف؛ الأم الريفية هي المعذبة الأبدية في حكايتنا تِلْكَ. تضيق بها الدنيا كذلك علي الجانب الأخر تضيق الزنزانة بابنها البريء، تتابع أطوار التحقيق وتحضر جلسات المحاكمة وقلبها ينزف حرقة على فلذة كبدها. أراها تسير جيئة وذهابًا وكأن المكان لا يسعها، تفكيرها مشتت، تتنفس بصعوبة وكأن أشباحًا جاثمة على صدرها. فجأة سمع صوت حنجرة غليظ: «محكمة»، فانتفضت الأم هازة كتفيها كذلك علي الجانب الأخر لو أنها انتشلت من دوامة شرود عميق، ظلت واقفة، تتنهد في كل لحظة وحين، وضعت يدها على قلبها وأمسكت في يدها الأخرى بمنديل ورقي تجفف بها عينيها المغرورقتين بالدموع، رمقها القاضي بازدراء ثم شرع – بعد الشكليات العرفية – في استعراض التهم واستجواب المتهم، مع كل سؤال يطرحه تهتز الأم من أخمص قدميها إلى رأسها وكأنها واقفة على جمرات من لهب، – هو الجحيم بعينه – تستعطف القاضي دون أن تنبس بكلمة، تهز رأسها أسفًا، تضم يديها وتمصمص شفتيها إشفاقًا على ابنها، وفي كل مرة ينهرها القاضي: «آلالة آآآ الشريفة».

لقد تهنا يا صفية تهنا! لقد تهنا في حلقات مفرغة ما لها من مخرج، كنا نأمل بأن نفرح لتحقق أحد مطالب الحراك (جامعة، مستشفى، معامل…) فأصبحنا نأمل الإفراج عن معتقل أو تخفيف عقوبة أو أن نسلم من الاعتقال لنستل لحظة فرح من ركام الأحزان التي اكتظت بها حياتنا؛ بهذا المعنى أصبحنا نناقش – قهرًا – حيثيات بعيدة كل البعد عن الأصل الذي خرج من أجله الآلاف.

ولربما يا صفية قد دخلنا حرب تزييف الوعي – التي بطلها الإعلام – والذي يروم صرف اهتمامات الشعب نحو مواضيع تافهة لن تفيد الرأي العام في شيء ووضع قضية ما في رأس أولويات الناس وحثهم على الانشغال بها لتنتج نقاشًا مجتمعيًا واسعًا وبالتالي موقفًا سَنَةًا حول تِلْكَ القضية بدلًا من قضايا أخرى أكثر أهمية (حادثة اغتصاب فتاة في حافلة للنقل العمومي، على سبيل المثال لا الحصر). والعيب ليس في الانشغال بهذه القضايا، بل العيب هو ألا تفهم المغزى وراءها خصوصًا وأنها تتواتر بِصُورَةِ ملفت. هكذا يا صفية أصبحت الحياة هنا زائفة وهكذا تبخرت الأحلام بهذا الوطن على أمل أن تسقط مطرًا على الضفة المقابلة.

المصدر : ساسة بوست